القوة العاشرة ..

 

“الإحصاء” هو فرع من فروع الرياضيات اكتسب أهمية كبيرة في شتى العلوم التطبيقية والاجتماعية .. ويبدو لي أنّ لفيزياء “الكوانتوم” دوراً كبيراً في تكريس مفاهيم “الإحتمال” في العقلية العلميّة والفلسفية بعد أن قوّضت هذه العلوم النظرة “الحتميّة” السائدة في الفيزياء النيوتنيّة .. كما لا يخفى أيضاً اعتماد العلوم الطبية والفارماكولوجية بشكل أساسي على مصطلحات علوم الإحصاء .. بل يبدو لي أيضاً أنّ تكرّس مبدأ “الإحصاء” في العلوم الطبية لا يقتصر فقط على دوره في التجارب الدوائيّة أو على مفهوم عوامل الخطر ” risk factors” .. بل إنّ هذه المفاهيم الإحصائيّة تساهم اليوم ربّما في تحديد الطبيعي من المريض .. أو السائد من “الشاذ” ..

تشرّبت العلوم الاجتماعية والإنسانيّة مفردات “الإحصاء” كأداة أساسيّة في خلق النظريات الاجتماعيّة وفي تشخيص الإشكالات الاجتماعية والسعي لحلّها .. ودخل “الإحصاء” في صميم العقليّة الغربية والمنطق الغربي في التعامل مع معطيات الحياة .. فالأمريكي حينما يتّخذ قرار الزواج يضع بحسبانه – بالإضافة للاعتبارات الشخصية – اعتباراً عاماً يتمثّل بأنّ 60% من الزيجات في أمريكا تنتهي بالطلاق .. وإن بلغت ابنته سنّ المراهقة سيضع في حسبانه في تعامله معها –بالإضافة أيضاً للاعتبارات الشخصية- اعتباراً عاماً يتمثّل بأن هناك 22 حالة حمل للمراهقات من كلّ ألف فتاة في أمريكا .. وإن رآك تدخّن سيهتّك بأنّكم “مجمع” المدخّنين والذين لا تشكّلون بالأصل سوى ربع الشعب الأمريكي قد تناقصتم في هذا العام الأخير بنسبة 20% .. ومن المفترض بمفهوم العقلية الغربية أن تُغيظك حجّته الإحصائية تلك غيظ جرير من هجاء الفرزدق .. ولك أنت أن تهجوه بالمثل بما هو أبلغ من هجاء “المتنبي” لأم ضبّة “الطرطبّة” .. كأن تجيبة مثلاً بأنّ هذا الانخفاض في عدد المدخنين زاد معدّل السمنة إلى 30% من إجمالي السكان في بعض الولايات .. فترديه .. أو يجيبك فيرديك .. فإن كانت أبيات الشعر تردي أحياناً في بلادنا من فلقوا الصخر بألسنتهم .. فإنّ للإحصائية ضمن الثقافة الغربية من قوة ما يردي “السيجار” من يد “جيفارا” ..

حينما سمعت عن برنامج “القوة العاشرة” لـ”جورج قرداحي” على قناة الـ MBC .. تفاءلت كثيراً بفكرة البرنامج .. فمع أنّ فكرته كانت بالنسبة لغالب الرأي العام بأنّها “سخيفة” لا تعتمد سوى على “الحظ” ورضا الوالدين .. مثّلت بالنسبة لي خطوة مهمّة لتكريس ثقافة “الإحصاء” .. كما توهّمت لفترة بأنّ هذا البرنامج سيقدم إحصاءات إجتماعية هامّة تفتقرها البلدان العربية بشدة ..

عندما شاهدت البرنامج أدركت فوراً أنّ الثقافة التي يمكن أن يكرسها برنامج كهذا هي ثقافة “اليانصيب” .. أغلب الأسئلة المطروحه فيه والتي تطلب من المتسابق أن يجيب بنسبة إحصائية مقرّبة .. هي عن الأكلة المفضلة لشعب ما وعن نسبة الذين “قالوا” أنّهم يحبّون حماواتهم ونسبة اللواتي “قلن” بأنّهن يحترمن أولاد جيرانهنّ في الطابق الثالث ..

حينما سيسألني القرداحي عن نسبة اللواتي “قلن” أنّهن سعيدات بزواجهن .. أو نسبة السعوديات اللواتي “قلن” بأنّهن لا ينزعجن من تدخل أولياء أمورهنّ بحياتهن .. فإنني سأقف طويلاً عند كلمة “قلن” .. وسأسأل عن الفرق بين مفردة “قلن” و”ادعين” .. وبين “قلن” و”كذبن” .. وبين”قلن” و”تخوزقنا بسؤالك يا قرداحي” .. أيّ مصداقية لسؤال “يقلن” به .. في بلاد الكبت والنفاق والتابوهات وأحاديث الجارات وهجران المضاجع !!

حينما سيسألني القرداحي عن نسبة العرب الذين ركبوا يوماً طائرة وأكتشف فجأة أنّها النصف !! .. وعن نسبة النساء العربيات اللواتي يذهن للـ”كوافير” مرّتين في الأسبوع فتفوق النصف بكثير .. !! .. سأذكر خيولك تجرّ عربات “الخضار” يا دمشق .. سأذكرك “طرطيراتك” يا شواطئ اللاذقية .. وسأذكر تزاحم الناس على “أوتوبيساتك” يا قاهرة .. وسأذكر رحلات “الهلال الأحمر” إلى سكّان المغارات وأكواخ القش .. سأذكر “صلعتك” جدّتي وأتساءل عن عبثيّة ذهابك مرّتين لـ”حلاق السيدات” كلّ أسبوع .. ثم سأحاول أن أحصي عدد اللواتي يعرفن معنى كلمة “كوافير” من معارفي .. وسأتساءل عن هوس شعوب يعيش 30% من أفرادها تحت خط الفقر بالطائرات .. وبمقص “الكوافير” ..

سأذكرك .. يا مطار دبي .. كم أنت عظيم .. باسل

أنا .. والكلب .. !!

هو كلب صغير لما يبلغ الشهرين من عمره .. ملتفح بالسواد .. هادئ .. ليس من النوع الذي “يغرف القلب له” .. بل ربّما كان يميل شكله للقبح أكثر من الجمال .. تبدو على “نظراته” أمارات “البلاهة” ولا تكون “ردّات فعله” على الأغلب إلا توكيداً أنّ “سيماه الكلاب” تبدو “أيضاً على وجوههم” .. 

حينما فتح لي صديقي “صندوق سيّارته” ليريني إيّاه .. كان متكوّراً على نفسه في الزاوية .. يرتجف من البرد والخوف .. ولمّا أصرّ عليّ صديقي أن آخذه رفضت بعناد .. وبدت لي فكرة الاعتناء بهذا المخلوق فكرة عبثيّة فيها هدر للطاقات وتضييع للوقت وواجب إن قمت به .. سأكون “مكرهاً” عليه ..  وبالطبع لم أكن قد سمعت قبلاً أنّ أحداً اقتنى حيواناً أليفاً علي “سبيل الواجب” !! 

وحينما أخدته لبيتي.. شعرت بالاشمئزاز من مظهره وقرفت من البيت برمّته وخيّل إليّ أنّ رائحة الكلاب النتنة انتشرت في كلّ زاوية من زوايا البيت  .. وحينما حاولت تقديم الطعام له مشفقاً وجدته ينفر منّي ويهرب تحت “السرير” مرتجفاً .. فتركت البيت وأقسمت لصديقي مؤكّداً له جديّتي : إن لم تأت لأخده حتّى الساعة السادسة .. سأرميه من الشبّاك ..وبالفعل .. بدت لي فكرة رمي كلب من “الشبّاك” جذّابة أشدّ الجاذبية .. وعنت لي تحدّياً لست أدري كيف أصفه .. إلا أنّ تساؤلات كانت تخطر في بالي من قبيل : هل أجرؤ أنا فعلاً على رميه من الشبّاك .. !! أليست عمليّة رميه ستشكّل ذكرى لي بأني قتلت كائناً أكبر من “الحشرة” قبل مماتي .. !! أستكون ذكرى جميلة  أم قبيحة !! 

وشعرت لوهلة .. أنّ هذا الكلب فرصة لي لتفريغ كل الطاقات السلبية  ولممارسة “عملية القتل” بقلب بارد وضمير مرتاح .. ربّما ستكون المرّة الأولى والأخيرة لي في حياتي والتي أمارس فيه “عمليّة قتل” .. ولما لا أجرّب شعوري بذلك !! 

 حينما عدت .. فوجئت به يجري نحوي ويفقز على ساقي ويلفّ حولي مهلهلاً .. وحينما لاحظ أنّي أحمل له “لبناً” جنّ جنونه وما عاد يفلتني حتّى أطعمته اللبن من يدي .. ولم يبد ممانعة تذكر بعد ذلك في “أخذ دوش” له في الحمام .. ثم احتفلنا طويلاً بعد ذلك بأوّل “تغوّض” له على “السجادة” .. وبعدها بقليل عاودنا الاحتفال بحرارة بأوّل “تبوّل” له .. 

وحينما جلست لأدرس .. وجدته ينسلّ بين قدميّ .. ويسند رأسه عليها لينام .. ولمّا استيقظ ظلّ “يتحارشني” حتّى أجبرني على ترك مكتبي ومداعبته .. وصار يلاحقني أينما أذهب ويحزن حينما أصرخ عليه وينزوي بنفسه حزيناً .. ولمّا أغيب عنه “في الحمام مثلاً” .. أسمع صوت أنينه وبكائه .. 

أكتب هذه الكلمات الآن .. وأنا أتساءل كيف لي أن أنهض لأجهّز لنفسي فنجان قهوة دون أن أتسبب بانسلاله من على “قدمي” و”استيقاظه” .. وقد أجّلت فكرة “رميه من الشبّاك” لأجَلٍ ما .. 

باسل

الركب ..

يسير الركب ..
تهبّ رياح من عباءة “البصّارة” ..
وتعصف أمطارٌ من رحم الآلهة .. عشتار ..
والشيخ العجوز .. تتلعثم الرمال من خبطه ..
إن أراد ..
ما عصته السماء ..

يرتعد ظلّي بعيداً .. منّي ..وتتفتّت رمال أصابعي ..
من لم يعبث بالنرد يوماً ..
يختاره النرد .. ليمشى في الأرض وحيداً ..
بلا ظلال ..

ويسير الركب ..

شهوة المحارم تخضع لغريزة طبيعيّة ..

قامت مجلّة الذاكرة الألكترونيّة مشكورة .. بنشر مقال لي تحت عنوان :

 شهوة المحارم تخضع لغريزة طبيعية

المقال موجود على الرابط التالي : http://www.alzakera.eu/music/vetenskap/psykolog/psyk-0038.htm

وهو مكتوب تحت اسم “خوليو” وهو الاسم المستعار الذي أكتب فيه في “نادي الفكر العربي” ..

وهنا أودّ أن أشكر إدارة المجلّة على اختيارها للمقال وأخصّ بالشكر الزميل “طريف سردست” ..

 

باسل

مســـطرة … وطبشـــور .. !!

أرسل لي صديقي مذهولاً .. “كم هي جميلة .. كم أمست جميلة” ..
الأحمق .. “كوبرنيكوس” قبله .. بمئات السنين .. “أحسّ” بكرويّة الأرض .. !!
 

لست أدري .. لما انفطر “قلبي” حينما قرأت رسالة صديقي .. لما أحسست بتلك “الغصّة” القاتلة في “حلقي” .. تعصرني .. !!
ولما لجأتُ للورق !! .. وأنا الذي اعتدت أخيراً أن أتعامل مع الورق ببرود .. بحياديّة من حجر .. !!
من المصادفة دوماً .. أنّ الورق لا يعتصرني إلا حينما أكتب لكِ .. وعنكِ .. وكم مرّ زمان طويل لم يعتصرني به الورق .. !!
 

لست أدري –حقاً- لما انفطر قلبي .. ولما شعرت برغبة “تحرقني” أن أصيح .. أنت لا تعلم شيئاً عن جمالها .. لا تعلم .. أنت رأيت التفّاحة تسقط فوق رأس “نيوتن” .. لكنّك لم “تقضمها” .. ولم يطردك الله من الجنّة لأنّك قضمتها ..
فعن أيّ جمال تتحدّث ..!! .. وأنت الذي لم تشرب يوماً .. من أنهار الجنّة .. !!
أنت قست جمالها بمسطرة .. وطبشور .. وأنا قسته بذروة لساني .. وعصرته بيدي حتّى تفتت قلمي .. وتفتتت دواتي .. 

آه يا صديقي .. لم الآن تحدّثني .. !! .. وأنا الذي نسيت طعم الجمال ورائحة الجمال .. وصرت أعامله بمقاييس الأعداد والأطوال .. وأفلسفه على الورق .. ببرود قاتل .. تحت مسمّى “فلسفة الجمال” ..قتلني الذنب مذ أن قرأت رسالتك .. عبارتك تلك ..
هل سمعت يوماً عن أصعب أنواع الفراق .. !!
هو “الفراق” حينما تختاره أنت .. بلا أسباب أو مبرّرات .. سوى أنّ “فلسفة الجمال” التي تقرأ عنها ببرود .. وتكتب عنها “ببرود” .. لا تتفق مع الجمال الذي تستشعره .. بذروة لسانك .. !!
هو الفراق حينما تختاره أنت .. لأنّ الفكر علّمك أن تكون “عنيناً” .. تنجب ولداً بتوقيع .. و”تجهض” مولوداً بشخطة قلم .. ولا تمارس جنساً .. إلا حينما تحشر قلماً بدواة .. !!
 

أتذكرين حينما اتصلتِ بي .. تبكين .. لما رأيتِ حبّات الثلج تهطل .. لأوّل مرّة .. من خلف الشبّاك .. !!
كم أبكاك الثلج .. وكم صعقك .. وكم ذكّرك بي ..
أنا اليوم ثلج يهطل .. أمام نافذتك ..
بارد كذاك الثلج ..
لكنّني أذوب صدّقيني .. إن التقط شعرك البعض منّي .. أو كلّي ..
أو إن مددت يدك .. أناملك .. من خلف النافذه ..
 

أتذكرين .. أتذكرين حينما طلبت منك أن تقرئي “زوربا” وأنا أردد : استفزّني زوربا .. !!
لأنّ ذاك الذي يقطع اصبعاً له .. لأنّه يزعجه وهو يعمل بصقل الجرار ..
استفزّني ..
ذاك الذي سخر منّي .. وراح يعزف “القيثارة” ويرقص .. ويمارس الجنس مع قبيحة .. سعيد بقبحها ..
استفزّني ..
استفزّتني بساطته .. جنونه .. سعادته .. بغضه للكمال .. أميّته .. وأحسسته يسخر منّي .. ومن كلّ كتاب أقرؤه .. في كلّ لحظة ..
 

أتذكرين يوم “ودّعتني” تبكين .. !! .. وهمست في “أذني” : أنتظرك .. !!
كم من العمر يلزمني .. لأنسى ذلك اليوم .. !!
 

صديقي ..
لست أنت الذي قست “الجمال” بالمسطرة والطبشور ..

الحب .. “قصص قصيرة جداً”

قصة 1..
أضعت الحبّ مرّة ..
ففتّشت عنه في جيوب بنطالي .. ثمّ في سترتي .. وتحت قبّعتي .. وفي علبة سجائري ..
ثمّ نكشت سريري .. ونثرت القطن المحشوّ في مخدّتي ..
وفتحت كتبي كتاباً كتاباً .. وقلّبت أوراقها ورقة ورقة ..
ثمّ فتّشت في مزهريّتي .. ونكشت تراب نباتاتي حتّى ذبلت وماتت ..
وكسرت التلفاز لأتأكّد من أنّه لم يختبئ وراء زجاج الشاشة ..
وتفقّدت مغسلة الحمّام .. ومعجون أسناني ..
ومزّقت ملابسي جميعها .. ثم اقتلعت بلاط الأرض .. وفككت كلّ الأنوار ..
وأخيراً رحت أقلع جلدي لأبحث تحته .. ثمّ شرطت أمعائي .. ورئتي وقلبي ..

مرّت جارتي الحكيمة أمام باب منزلي .. ولمحت الفوضى داخله ..
فتبسّمت وتمتمت : يبدو أنّه وجد الحبّ أخيراً ..

 قصّة 2 ..
قال لي صديقي : رأيت “الحبّ” في مقابلة تلفزيونيّة معه .. على برنامج “الشرطة في خدمة الشعب” ..
كاذب هو .. فأنا متأكد بأنني للتوّ قد قيّدت الحبّ بسلاسل من حديد .. وكممت فاه .. وربطته إلى سريري ..
لكنّ صديقي التفت إليّ وهو يغادر وتمتم : سمعته يقول للمذيع.. بأنّه نادم أشدّ الندم على كلّ ما ارتكبه ..

فهممت نحو بيتي مسرعاً .. ووجدت طاقم التصوير والمذيع .. يخرجون للتوّ من الباب ..
وحينما رأوني .. وجّهوا الأضواء نحوي والكميرات نحوي.. وسألني المذيع : نشكرك على الإمساك بذا المجرم الخطير .. لكن كيف أمسكته .. وروّضته .. وكبّلته ..
فأخرجت من جيبي قصاصة ورق .. وقرأت له قصيدة ..

 قصّة 3 ..
قرأت طفلة صغيرة .. قصّة عصا موسى .. فكتبت في دفتر مذكّراتها : كلّ عصا في هذه الدنيا تتحوّل في الليل إلى ثعبان ضخم..
ولما كبرت .. وأجبرتها أمّها على الزواج من ابن عمّتها ..
كتبت في دفتر مذكّراتها بعد الليلة الأولى : كلّ ثعبان في هذه الدنيا .. يتحوّل في الليل إلى عصى ضخمة ..

ولمّا أحبت شاعراً .. وهربت معه ..
كتبت في دفتر مذكّراتها : كلّ دودة في هذه الدنيا .. تتحوّل في الليل إلى عصى صغيرة .. تنقش عليّ أجمل الكلمات ..

 قصّة 4 ..
التقى جميل ببثينة .. فأحبّها وأحبّته .. وكتب فيها شعراً تكلّمت به العرب أجمعين ..
ولما جاء يطلب زواجها .. وافق أهلها على غير المتوقّع ..
فراحت بثينة تلطم نفسها وتندب حظّها .. وانتحر جميل .. وسمّي من يومها .. شهيد الحب ..

حريّة اللاحريّة ..

- أنا طائر التقط فتات عمره على قضبانِ قفصٍ من حديد ..
زقزق طويلاً .. حتى نضب الصوت ..
ونضب جدول الحياة ..

أيّ سدود ستعيق جدولاً بلا مياه .. !!
وأيّ أصواتٍ ستُخفي صوتاً جفّّت رطوبته .. !!
أيّ قضبان .. ستعيق طائراً لم يعد له في الحياة أثر .. !!

الإبداع .. عزف منتظم .. لا حدود لامتداده .. ينشد الحياة موسيقى أوتارها العدم ..
هو مخطط خارق للخروج من التابوت .. ومن ثمّ حمله على الأكتاف ..
لا يكتمل .. حتّى تتسرّب كلّ الخلايا .. من ثقوب الموت .. للحياة ..

العشق حالة من العدم ..
أن تفصّل روحك على مقاس حبيبتك .. وتخضع نفسك لتقلّبات أهوائها ..
هو اختناق داخل حدود واهية .. لكنّها من حديد .. !!

يبدأ نبض الحياة حينما أخرج من التابوت ..
فإن قالوا إنّ الحياة تنتهي تحت الرماد ..
فقد قالوا أيضاً إنّ البعث يتفجّر من تحت الرماد .. !!

هذا ما قلته .. وجسدي ينسلّ بين القضبان ..
خارجاً من التابوت ..

 

- الحياة مملّة .. الموت داخل التابوت أكثر متعة ..
تحت الرماد .. تحيا والتابوت ..
وفوق الأرض .. تموت وحيداً ..

حرّ أنا .. وما أقبح الحريّة .. !!
حينما تملكها .. لا شيء تستطيع أن تفنيه .. ولا شيء تنقلب عليه ..
وحينما تفقدها .. لك “الحريّة” في تفتيت ذاتك .. وفي الثورة على ما تشاء .. !!

الإبداع.. هو ركام فوضويّ على أطلال “الحريّة” .. وهو فتات الذات حين تمزّقها قطعة قطعة .. !!
هو مخطّط خارق .. للخروج من التابوت .. ومن ثمّ حمله على الأكتاف ..
أمّا الخروج من التابوت .. فهو قمّة الفشل .. !!

من قال إنّ الموت داخل حدود التابوت .. عدم .. !!؟؟
قلتها أنا قبلاً .. !!؟؟ .. أعذروني ..
إنّ الحياة بلا مخطط فاشل للخروج .. عدم بعدم .. !!

أحنّ لقفصٍ .. أنثر جسدي على حدوده .. وأفصّل روحي على مقاسه ..
أحنّ لتابوت يبتلعني .. أو يجذب خلاياي .. ليعصرها .. واحدة واحدة ..
أحنّ للحريّة .. لحريّة اللاحريّة .. !!

الطائر الذي يعيش خارج القفص ..
هو طائر حبيسٌ للعدم ..
بل إنّه أسيرٌ لذاته .. وما أتفهه من أسر .. !!

هذا ما قلته .. وجسدي ينسلّ بين القضبان ..
داخلاً للتابوت ..

يوم .. في الجامعة ..

فوق تلك الصخرة الشاهقة .. جلست وإيّاها نطلّ على كلّ العالم .. حضنتها بيد .. وأشرت باليد الأخرى : هل ترين تلك القبّة بجانب “بوتكة” الفلافل .. ذاك هو مبنى جامعتي ..
سألتني : وما هي “بوتكة” الفلافل .. !!
أجبتها : “البوتكة” تعني “الكشك” بالعربيّة .. و”بوتكة” الفلافل هو المكان المخصص لقرارات وإعلانات السفارة ..
فسألت : ولما يسمّونها “بوتكة” الفلافل إذا .. !! ما علاقة “الفلافل” بالسياسة .. !!
قلت باستطراد : كم عظامك غضّة حبيبتي !! .. السياسة هي “الفلافل” بذاتها .. يلفّونها لك بخبزة مع قليل من “البندورة” ويناولونك إيّاها .. لتأكلي منها حتّى تشعري بالتخمة .. وحينها تصيحين .. : شبعت .. أقسم بالذي خلقني إنّي شبعت .. وها قد انتصبت حرّة .. صامدة .. هاتوا لي الصهيوني لأقتله .. لكن .. أرجوكم .. يكفي فلافل ..
لكن سيناولونك المزيد والمزيد من الفلافل .. حتّى تنفجري من التخمة .. وبذلك تموتين حرّة كريمة .. تصرخين بقوّة .. في وجه الصهيوني ..

فأجهشت في البكاء .. وهمست في أذني : كم أكره الفلافل ..
ثم حضنتني .. ومالت برأسها على زندي .. واقتربت بثغرها نحو جبيني .. حتّى صرت أشعر بأنفاسها تلفحني ..
فجأة .. رنّ المنبّة .. فقفزت مذعوراً من سريري وأنا أصيح : إخت الجامعة .. على إخت الفلافل .. تلك اللعينة لا تملّ من الحديث عن الفلافل .. ولا تتذكّر أن تستسلم لي إلا في الثامنه صباحاً .. في الليلة القادمة .. لن أذكر لها شيئاً عن “بوتكة” الفلافل ..
تثاءبتُ بكسل .. ونهضت نحو المغسلة أتذكّر ما قالته لي جدّتي يوماً : في كلّ ليلة يتبرّز الشيطان على عينيك وأنت نائم .. فاغسل وجهك حينما تستيقظ .. !!
أذكر إنّي أجبتها يومها : ومتى يأتيني الشيطان ليفعلها في عيني .. !!
فأجابتني : حينما تحلم بالنساء يا ولدي .. فقد قالها الرسول يوماً .. النساء حبائل الشيطان .. فحاول أن تستغفر ربّك في منامك .. يكفّ عنك براز الشيطان .. ويبعد عن خيالك الأحلام والتهيّؤات ..

هممت بغسل وجهي وأنا أبتسم .. وتمنّيت في لحظة تأمّل وتذكّر لما حلمت به الليلة .. أن يكون براز الشيطان في الليلة القادمة أكبر .. وأغزر ..
مضيت نحو الجامعة حتّى وطأتها باكراً .. (وللعلم .. فإنّ الفعل وطأ باللغة العربيّة يحمل معنينين .. يستخدمه رجال الدين بمعنى “ضاجع” .. ويستخدمه الكتّاب والشعراء بمعنى “وصل” .. وللقارئ أن يخمّن بسهولة أيّ المعنين أقصد ..) .. فجلست على ناصية الممر أحضن حبيبتي بيد .. وأشير لها بيدي الأخرى : هذا هو ممر الديكانات .. أو ما نسمّيه “عمادة الجامعة” .. وتلك هي لوحة الإعلانات التي كلّما مررت بها وجدت اسمي عليها .. !!
فسألتني .. وما تلك الوجوه المنحوته هناك .. !!
أجبتها : هذه وجوه لأعلام الطب عبر التاريخ .. فذاك هو أبوقراط .. وذاك دارون . وذاك بافلوف .. وذاك الأخير فرويد .. أتعلمين .. !! .. كلّما مررت من هذا المكان شعرت برهبة ما .. عظماء التاريخ يجتمعون على طاولة واحدة .. أستذكر نظريّاتهم .. وما أكاد أمشي خطوة داخل الجامعة حتّى أرى براهينها أمامي .. أرتعش حينها .. صدّقيني ..
سألت : ماذا تقصد .. ؟
أجبت باسترسال : إن كان بافلوف قد تحدّث يوماً عن “المنعكس” الشرطي .. فأنا أختبر هذا المنعكس في كلّ مرّة أمرّ بها من هذا الممر .. كلّما خطفت نظرة إلى غرفة العمادة أثناء مروري .. أجد نفسي أقفز بلا شعور كالقرد متجنّباً أن يراني أحدهم من الداخل .. وهنا .. نعود لنظريّة دارون التي قال فيها أنّ للإنسان أصلاً من فصيلة للقرود .. ومن ثمّ أجد نفسي أصطدم وأهوي على إحداهن .. فأستذكر ما قاله فرويد في الجنس ..
فأجابتني وقد احمرّت وجنتاها غضباً : وماذا تستذكر أيضاً في أحضان من تهوي عليها ..
أجبتها ضاحكا: أستذكر قول عمرو بن العاص .. إنّ لله جنوداً من عسل ..
ثمّ ضممتها بقوّة وأنا أهمس في أذنها : أحبّك يا غيّورة ..
وحضنت وجنتيها بيدي .. ورحت أتأمّل عينيها .. غريب هو سواد المقلتين .. يبتلعك في حين غرّة إلى العدم .. ما ألذّ التماهي مع من تحبّ .. إنّه العدم بذاته .. فما العدم إلّا التقاء للأضداء .. اتحاد لقطعتين مكسورتين من الفخّار .. العدم اتحاد .. وبالتفرقة تكون الأشياء ..
تيمّمت بوجنتها .. وولّيت وجهي شطر شفتيها .. ثم رحت أركع نحو ثغرها ..
فجأة .. صاحت سكرتيرة العميدة : أنت هنا .. !! .. أين كنت .. !! مطلوب أنت للعميدة ..
فنهضت من من مجلسي .. ورحت أفرك عينيّ وأنا أتمتم : إخت الجامعة على إخت دارون .. تلك اللعينة لا تملّ من الحديث عن كلّ شيء .. ولا تستسلم لي إلا متأخّرة ..

مزعجة هي أي مؤّسّسة يقودها النساء من ألفها إلى يائها .. النساء يزعجونك دائماً بحدسهنّ المفرط بالصدق .. بل إنّهنّ يثرن في قلبك الخوف والقلق حين تشعر فعلاً أنهنّ يعرفنك أكثر مما تعرف نفسك .. وأنّهن يقرأن ما يدور بخلدك .. وإلا لما أيقظتني تلك السكرتيرة من حلمي .. في اللحظة التي اقتربت فيها بلوغ هدفي ..

توجّهت نحو غرفة “العميدة” وأنا أستذكر قولي حينما نبّأني صديق لي بانتخاب رئيسة جديدة للجامعة مكان الرئيس السابق .. حينها قلت بشيء من الزهد .. وقد علت وجهي علامات إيمان وتصوّف : لا يفلح قوم .. ولّوا أمرهم إمرأة ..
وقد صدق حدسي فعلاً.. منذ جاءتنا الرئيسة الجديدة .. ما أفلحنا .. ولا فلحنا.. والدليل تجدونه في لوحة الإنذارات ..

دخلت مكتب العميدة .. مطأطئ الرأس مسدل الجفنين .. أدرك مسبقاً أنّي سأُحمّل خطيئة جديدة تثقل كاهن البشريّة .. أو بأسوأ الأحوال .. سأصلب يسوعاً عن خطايا البشر جميعها .. بدءاً من الخطيئة الأولى .. منذ ناولت “حوّاء” الامرأة تفّاحة الحكمة لآدم .. إلى قتل قابيل لهابيل .. لأجل امرأة .. وصولاً إلى الخطيئة الأخيرة .. التي تتمثّل بغيابي عن حصّة “الكيمياء الحيويّة” لأنني أمضيت الليل أدردش على الانترنت مع صديقة لي .. وهي أيضاً امرأة ..
إن كانت المرأة شيطاناً يوسوس في عقول الرجال منذ بدء التاريخ ويكوّم الخطايا فوق الخطايا.. فكيف يكون حال مؤسّسة يرأسها النساء .. !!
إن أردتم الصراحة .. يمكن أن نجد إيجابيّة في ذلك .. فالشيطان ما كان ليتمرّد على الله .. لو أنّ الملائكة ركعت له لا لآدم .. دعونا نجرّب أن نركع للنساء .. لربّما .. ربّما .. يتوقّفن عن الوسوسة في عقولنا ..

باغتتني العميدة بسؤالها : أين كنت الأمس .. !!
أجبتها ببراءة : أقسم إنّي كنت في البيت ..
- جميل .. جميل .. غبت عن حصّة “الكيمياء الحيويّة” لأنّك في البيت .. !! هذا جميل .. اليوم سنناقش أمر فصلك عن الجامعة .. فعد بعد ساعتين .. لتبلّغ بالنتيجة ..
عندها استجمعت قواي وأجبت : في الجامعة هناك قانون يقول بأنّ للطالب حقّ أن يغيب عن 15% من حصص كلّ مادة .. وأنا مازلت بعيداً عن هذه النسبة .. فما الخطب إذا .. !!
حينها صاحت : هيا .. قلت لك إذهب .. وعد بعد ساعتين ..

أفهمتم الآن ما النساء .. !!
النساء لا يحكمهم قانون .. ولا تحكمهم قواعد ولا منطق .. النساء يتحدّثن بحدسهن وبعلاقتهنّ مع الأشياء والأشخاص .. هي تراني مخطئ لإهمالي .. مع أنّ القانون يساندني ولا يسوّل لها أن تتوجّه لي بكلمة .. لكنّها لا تعترف بهذا القانون طالما أنا مخطئ .. شريعتها ليست القانون .. شريعتها هي إحساسها بالموقف .. وردّة فعلها الداخليّة عليه .. أثق إنّها قد ترفض دعوة رسميّة لعشاء فاخر لأنّها قد تصادف به شخصيّة مسؤولة لا تحبّ طلّتها .. أو تعفي طالباً من الفصل لأنّها تراه ملتزماً وطيّباً .. مع أنّ القانون والبروتوكول يحتّمان عليها أن تحضر الخفل .. وتفصل الطالب .. فكيف حدّثتها أنا في القانون .. بل كيف من الممكن أن أحدّثها وأنا لا أملك إحساس النساء ولا حدسهن .. !!
في المرّة القادمة .. سآتي إليها مع حبيبتي .. فليتناقشن سويّة بشأن قرار فصلي مع فنجان قهوة .. و مع بعض الأحاديث الجانبيّة عن الطبخ والمسح .. أظنّ أنّهن سيصلن لنقطة وفاق لن أصلها طالما حييت .. مع هذه العميدة ..

توجّهت أخيراً إلى قاعة المحاضرات .. فطرقت الباب بتململٍ آذناً بالدخول .. فما كان من المحاضرة إلا أن التفتت نحوي وصاحت : أخرج وأغلق الباب وراءك .. أنت متأخّر ..
لم أشأ أن أعالج كثيراً .. فإن أخبرتها إنّي كنت عند العمادة ستطلب منّي ورقة منهم تثبت ذلك .. ومن ثمّ سترسلني العمادة لرئاسة القسم لكي أحلّ مشكلتي معهم .. تلك قصّة طويلة أشبه بمعاملات الدولة لا أظنّ إنّي أستطيع المضيّ بها منذ الصباح .. فمازال حنيني لسريري يمتلكني .. ولا أملك تلك الحيويّة التي ستدفعني لصعود ونزول مئات الدرجات .. و لأجل ماذا !! .. لأجل أن أنام على مقاعد قاعة المحاضرات .. أقسم إنّ النوم في المكتبة أكرم وأفضل ..
أغلقت الباب .. واتجهت نحو المكتبة .. فجلست .. واحتضنت حبيبتي بيد .. وأشرت باليد الأخرى : هذه هي مكتبة الجامعة .. وتلك أمينة سرّها .. وهذا أنا حبيبك “المطرود” من محاضرة “التشريح المرضي” والمهدد بالفصل من الجامعة .. دعينا هذه المرّة نتكلّم عنك وعنّي .. واتركي المكتبة بأمينة سرّها .. والساسة بفلافلهم .. ودارون بقروده ..
قلت لها ذلك .. وأنا أمدّ يداي الباردتان نحو وجنتيها .. فأنهل من دفئهما ما يقرّ لي عيناً .. ويريح لي بالاً ..
فهزّت رأسها موافقة وباغتتني بسؤالها : لما تترك كلّ نساء أرمينيا .. وتذكرني .. أنا البعيدة عنك .. آلاف الأميال ..
حينها تململت وأنا أعضّ شفتي ندماً .. قد نسيت أن أقول لها .. أنه من المفضّل أن نتكلّم بصمت .. لا أن نعيد اختراع حبّنا من جديد .. يفترض بنا أن نكون قد أنهينا مخطط حبّنا منذ زمن طويل .. وأن نشرع في البناء لا أن نعيد رسم المخطط في كلّ مرّة .. تلك هي حبيبتي .. وتلك هم نساء بلدي بشكل عام .. لا أدري فعلاً ما الذي يجعل لهنّ في القلب تميّزاً .. مع أنّهن ضعيفات .. هشّات .. ينتظرن منك أن تؤكّد لهنّ الحبّ في كلّ ثانية .. وفي كلّ لحظة .. أن تخترع الحبّ في كلّ طرفة .. يردن أن يمتلكنك طوال يومك ومسائك .. وأن تمتلكهن وتعيد امتلاكهن في كلّ حركة تخطوها .. ونحن الرجال .. نحبّ أن نأخذ موقف القوّة فنعشق الضعيفات .. تثيرنا فكرة أن نكون الهواء الذي يتنفّسه شريكنا .. وما ذاك إلا لأننا ضعفاء أيضاً .. بل وأكثر هشاشة من النساء ..
أجبتها بتنمّق : لأنّك حبيبتي .. ولأنّي أحبّك .. ألا يكفي ذلك .. !!
وقبل أن تنبس بحرف .. وضعت اصبعي في ثغرها .. واقتربت بشفتيّ كي أكمل الطباق ..

وفجأة .. دوى في أذن صوت أجش : ماذا تفعل هنا وقت دروسك .. !!
التفتّ ورائي .. وأنا أفرك عينيّ وأتثاءب .. ثم تمتمت : إخت الحب .. على إخت الدروس ..
ثمّ صحت : ما بك يا صلاح .. ألا رحمة لك .. وجدتني نائم .. لما تيقظني يا رجل .. !!
فأجاب : أتيتك بالدليل القاطع على أنّ الحياة لا يمكن أن تكون قد نشأت عن التطوّر .. بل هي من صنع الإله ولو فُقئت عين دارون ..
فأجبته متثائباً : وما هو دليلك يا صلاح ..
- الدليل .. هو أنّ البشريّة اخترعت الخبز يا صاحبي .. هل من الممكن أن تشرح لي كيف استطاع الإنسان البشري البدائي أن يبتكر الخبز .. !!
- صلاح .. أرجوك .. هل اختراع الخبز دليل على خالق .. !! .. ولما لم تحدّثني عن اختراع القمر الصناعي .. !! .. ثمّ إنّي جائع فعلاً .. حدّثني بتفاصيل أكثر .. فالتهام التهيّؤات .. كالتهام فلافل السفارة .. يشبع حتّى التخمة .. عن أي خبز تتحدّث .. “الخليب” أم “اللافاش” .. !!
- هه .. توقّعت أن تقول ذلك .. لكنّك تنسى يا عزيزي .. أن القمر الصناعي تمّ اكتشافه بناءً على أسس علميّة أوجدها الإنسان .. أما الخبز فهو لم يستند على شيء .. !!
- صلاح .. أبوس إيدك .. أريد أن أكمل نومي .. الخالق موجود .. لكن لا يوجد دليل علميّ على وجوده كما أعتقد ..
- جسناً .. أريد إذا رأيك بقصيدتي الجديدة قبل أن تنام ..
- صلاح .. أبوس رجلك .. غداً أسمعها في الأمسية الأدبيّة ..

غفوت .. واحتضنت حبيبتي بيد .. واشرت باليد الأخرى نحو صلاح .. وقلت لها : ذاك هو صلاح صديقي العزيز .. وعدوّي اللدود .. هو أكثر الناس إيماناً في تفاصيل حياته اليوميّة .. وأكثرهم زندقة في أشعاره ..
وقبل أن تنطق بحرف .. وقبل أن يتحوّل حديثنا عن الشيزوفرينيا .. أطبقت شفتيّ على شفتيها .. في المكان المناسب تمام المناسبة لذلك .. أعني .. المكتبة ..

دمّرنا السفارة

أنا في الجوّ الآن ..
عليّ أن أحاول لملمة ذاتي المفتته .. وإعادة إحياء ما بدأ يضمر من أفكاري التي بَذَلت الكثير لتبقى متشبّذه بقشرة مخّي .. وصمدت طويلاً كي لا تضيع في عالم اللامبالاة والإهمال ..في سوريا .. أرسلت لي إحدى صديقاتي* “عبر الإنترنت” تسألني عن رأيي بتداعيات رسوم الدنمارك .. فاجأني سؤالها جداً .. بل وأربكني .. لم أفكّر أبداً قبل هذه اللحظة .. في هذا الأمر .. ولم أحاول اتخاذ رأي محدد ..
على فكرة .. يقول فلاسفة الجبريّة .. كـ”سبينوزا” .. وفلاسفة التشاؤم كـ”شوبنهاور” .. أنّ الإنسان يتّخذ رأياً .. ومن ثمّ يبرر له بأفكاره ..
أي أن الأفكار ليست مرحلة لتكوين رأي .. بل هي وسيلة لفبركة الرأي الذي لم يُتّخذ بالمنطق .. بقدر ما اُتّخذ تحت ضغط المشاعر .. والأحاسيس .. والفطرة ..
على كلّ .. إن كان ذلك صحيحاً .. فذاك يعني .. أني في سوريا افتقدت المشاعر .. والأحاسيس .. بل وفقدت فطرتي ..
حسناً .. حسناً .. عليّ الآن أن أفكّر برويّة .. لأتوصّل لرأي معيّن حول قضيّة الدنمارك .. على الأقل لأتأكّد من أنّ ملكاتي العقليّة لازالت تعمل .. ولم يصبها العطب .. لكن .. لما التحايل .. أبدو مضطرّاً لتأجيل تأمّلاتي لبعد وجبة العشاء .. أنا جائع جداً .. و من الواضح أنّ مضيفات الطائرة السوريّة يشعرن بتقلّبات جهازي الهضمي جيّداً ..
لا .. عليّ أن أكفّ عن هذه النظرة العليائيّة .. لست مركزاً للكون حتّى ينصبّ اهتمام مضيفات الطائرة بأمعائي ومصاريني .. فربّما هنّ يشعرن بتقلّبات جميع الأجهزة الهضميّة .. لكلّ ركّاب الطائرة ..
لا .. لا .. آن الأوان لكي أتخلّص من هذه الأفكار الكرتونيّة .. كيف يمكن للمضيفات أن يعلمن بما لا يمكن أن يروه .. أو يشعروا به .. ثم كيف يمكن لشخص أن يعلم بتقلّبات أمعاء مئتي شخص في وقت واحد .. !!؟؟ .. يستحيل على الإنسان أن يفكّر بقضيّتين في وقت واحد .. فكيف بمئتي قضيّة معقّدة .. !!؟؟
كم هو ذكيّ الله .. إنّه يفكّر بمليارات مليارات القضايا في وقت واحد ..
أوووووووووف .. لكن الله بلا زمان ولا مكان .. لذا هو بلا شكّ .. لا يفكّر .. فالتفكير هو ترتيب للزمان والمكان والتتابع .. فكيف يفكّر الله إذا لم يكن يعيش الزمان ولا المكان .. !!
ثم كيف يكون الله منزّهاً عن الزمان والمكان .. !!؟؟ ..
حسناً .. ليست بالقضيّة الصعبة .. يقولون إنّ الثقوب السوداء في الفضاء تنعزل عن الزمان والمكان .. فلا بدّ أن الله مثلها .. ثقب أسود ..
أو لما السوداويّة .. !! .. ربّما كان الله يعيش في ثقب من هذه الثقوب ..
أوووووووووووووف .. يعيش “في” !! .. هذا يعني أنّي أحدد مكاناً ..
حسناً حسناً .. عليّ أن أضع تعاريف لما أتكلّم عنه .. حتّى أصل لنتيجة منطقيّة ..
فما هو معنى الزمان .. !!؟؟
مممممممممممممم ..
أها .. شكراً .. شكراً .. وكأنّكِ تشعرين بجوعي .. يبدو أنّك حسّاسة جداً .. وأغلب الظن أنّك من عائلة متحررة ..هذه التنّورة القصيرة لا يرتضيها أبٌ لابنته .. إلا لو كان منفتحاً لأبعد الحدود .. فكيف إذا كانت ابنته تعمل مضيفة لطائرة .. مزوّدة بحمّام في آخرها ..
ولك آآآآآآآآآخ .. متى سيرسل الله لي حوريّة مثلك .. أصطحبها معي للحمّام .. وأخرج منه منهكاً .. سعيداً !! .. على كلّ .. ها أنا أدخل للحمام وحيداً .. وأخرج منهكاً سعيداً .. النتيجة واحدة .. فلا داعي للبذخ الجنسي ..
ها ها ها .. يبدو أنّ زيارتي لسوريا .. أكسبتني حساً للفكاهة .. لم أكن أمتلكه .. عليّ أن أبدأ بالطعام .. بدلاً من تضييع الوقت بهذه الطريقة .. ألم يكفني شهر من الوقت الضائع .. !!؟؟
زبدة لورباك .. !!!!؟؟؟
لا أصدّق .. !!
أنا متأكّد جداً .. بأني سمعتهم يعلنون مقاطعة كلّ ما تنتجه الأبقار الدنماركيّة .. والهولنديّة .. والأوروبيّة .. فكيف تدهس السوريّة للطيران بهذه البساطة .. على كلّ ذلك .. !!؟؟
أظن أن ذلك لا يحتمل إلا أحد التفسيرين التاليين .. إما أن تكون نظريّتي صحيحية .. وهي أننا في سوريا نعيش خارج الزمان .. والمكان .. أو أنّ مدير الطيران السوري علماني منفتح لأبعد الحدود ..
بالنسبة للاحتمال الأوّل .. فهو مرجّح جداً .. وهناك دلائل كثيرة تدعمه .. فمثلاً .. أنا متأكّد من أني لم أسمع أحداً في سوريا يتحدّث عن “خدّام” .. أو عن التهديدات التي تتعرّض لها سوريا .. وكأنّهم لم يسمعوا بها أبداً ..
لكنّهم حسبما قالوا في الأخبار .. قاطعوا البضائع الدنماركيّة .. بل وأحرقوا السفارة الدنماركيّة ..!! .. إذا فهم يعيشون في الحدث .. داخل الزمان والمكان ..
لا .. لا .. أنا متأكّد من أنّهم يعيشون خارج الزمان والمكان.. فأنا لم أسمع أحداً يتفاعل مع حدث غلاء البنزين .. وغلاء الإسمت .. بين يوم وليلة .. لم يقم أحد بالمقارنة بين وعود الحكومة بإصلاحات إقتصاديّة تمكّنها من مجابهة الضغوط الخارجيّة .. وبين رفعها لأسعار البنزين .. إذا فهم خارج الزمان والمكان ..
لكن ..هل الحكومة فعلاً كاذبة .. !!؟؟ ..
لا .. لا .. لا أظن ذلك .. الحكومة لا تكذب أبداً .. إنّها كالله تماماً .. والدليل أنّ رجال الدين يحبّونها كثيراً .. ولا ينتقدونها أبداً .. بل ربّما تعاونوا معها في إحراق سفارة الدنمارك .. خصوصاً وأنّ ذلك في سبيل إرضاء الله وأنبيائه ..
إذا .. نظريّتي صحيحة لكن عليّ أن أصوغها بطريقة أخرى مناسبة .. بحيث تصبح رأياً لي أخبره لصديقتي إن عادت وسألتني عن أحداث الدنمارك : نحن نعيش خارج الزمان والمكان .. لكن من أجل الله ندخل الزمان والمكان .. في الأوقات المناسبة .. ولهذا دمّرنا السفارة ..
الله .. !!؟؟
لكنّ الله مثلنا تماماً .. خارج الزمان والمكان ..

موعد غرامي أوّل ..

- أحضرت لك معي هديّة صغيرة من سوريا .. فهل تمانعين لو اتفقنا على موعد عشاءٍ لأعطيك إيّاها .. !!؟؟
- لا أمانع طبعاً .. ينتهي عملي في السادسة .. نلتقي عند محطّة المترو .. خرشو .. !؟
- خرشو ..

هذا هو الموعد الغرامي الأوّل لي .. مذ أن تركت سوريا لأوّل مرّة .. يبدو من الحماقة أنّ شاباً مثلي لم يخرج ليقابل إمرأة .. إلا بعد عامٍ ونصف من الإقامة في بلد أوروبي ..
ذوو اللّحى الطويلة غالباً ما يحلقونها هنا .. لأنّها قد تزعج فروج النساء .. وأنا .. أنا الذي أنادي دوماً بالحريّة الجنسيّة .. والإستقرار العاطفي .. وأنا الذي لم يعرفني الله لأعرفه .. تنسّكت وبدأت أطلق لحيتي مذ أتيت هنا ..
الاستقرار العاطفي يبدو لي أساساً لحياة هادئة .. سعيدة .. ومع ذلك .. فأنا خالٍ من الداخل .. أشعر بالوحدة كثيراً .. لا أجد أحداً يستحقّ أن أتعرّى أمامه لأعبّر عن ذاتي .. بل إنّي أشعر أنّ قدرتي على التعرّي تضمحلّ مع الأيّام ..
هذه الفتاة .. لمحتها مرّة .. منذ شهور طويلة في ديسكو الـ “مونتي كريستو” .. وهو مرتع لكل من يريد أن ينسى الحياة الليلة .. لمن يشعر بالوحدة .. للعشّاق .. لمن يبحث عن عشيقة .. للشاذين جنسياً .. وللعاهرات ..
كانت يومها تحتفل بعيد ميلادها هناك .. ويبدو أنّ صديقاتها كنّ قد أثقلن في الشراب وبدأن يزعجنها بتصرّفاتهنّ .. لذا احتضنت خدّها المتوّرد حمرة بكفّها .. وجلست وحيدة .. بثوبها الحريري القصير الذي تماهى بين فخذيها المتشابكين .. وجزمتها التي تلتفّ خيوطها كثعبان يمتلئ بسموم الشهوة حول ساقين بيضاوتين .. ناعمتين ..
لمحتها بينما كنت أتراقص مع إحدى صديقاتي على الـ”بيست” .. تنهّدت يومها كتنهيدة عانس في الأربعين ..

- أين تفضّل أن نذهب .. !!
- كنت أفكّر في أن نجلس في أحد بارات المدينة .. !!؟؟
- حسناً .. دعني أنتقي أنا .. اليوم هو يوم الأحد .. وعلينا ألا نفوّت الـ”
candle night” ..
- واو .. اليوم يحيون الـ
candle night !!؟؟ .. سيكون الجو مفعماً بالرومانسيّة .. في مغارة مضاءة بالشموع ..

هديّتي كانت .. عبارة عن “بارفيوم” من شركة “أوكسجين” .. وللحقيقة فقد ابتعته من هنا .. لكنني أخبرتها أنني جلبته من سوريا خصّيصاً لها .. لأضيف شمعة رومانسيّة جديدة لجلستنا ..
ولكي أكون أكثر صراحة .. فقد طلبت من شريكي في السكن أن يشتري لي “البارفيوم” ولست أنا من انتقاه .. ولم أكلّف نفسي حتّى عناء الذهاب إلى السوق .. لذا فتلك الشمعة الرومانسيّة الجديدة .. تشتعل بلهب مصطنع بعض الشيء ..

هذه بالتأكيد .. ليست المرّة الأولى التي نجتمع فيها .. فقد سبق وطلبت من شريكي .. والذي اكتشفت لاحقاً بأنّه يعرفها جداً .. بل هي من أعزّ صديقاته .. أقول طلبت منه أن يجمعني بها في جلسة ثلاثيّة .. وبالفعل .. اجتمعنا بها مرّتين في مكانٍ عام .. ومرّة في منزلنا ..

- كم أنا أحبّ الهدايا ..
- …
- إنّها الهديّة الأولى والوحيدة التي أقبلها على الفلنتاين .. هذا العام ..
- لكن مضى على الفلنتاين أسبوعان ..
- ليست بالفترة الطويلة .. ثمّ إنّك لم تكن هنا حينها ..
- أنت على حق .. لم أكن هنا .. هابي فلنتاين ..

مسكينة هي .. مثلي .. أمضت الفلنتاين وحيدة .. وأستطيع أن أدرك مدى عطشها لما يسقي أنوثتها اليوم ..
هجرها صديقها هذا الصيف .. ويروي لي شريكي بأنّها عانت الأمرّين من الانفصال .. وأن هذه هي فرصتي الذهبيّة لأحظى بواحدة من أجمل بنات أوروبا ..
أما أنا .. فمضى على انفصالي عن صديقتي ما يقارب نيفاً وعامين .. وبعد زمن من موت الفراق .. لازمني كفن الوحدة .. كثيراً .. دون أن يدفعني ذلك جدياً للبحث عن صديقة ..

- ماذا تشربين !!؟؟
- كوباً من الشاي .. وأنت .. !!؟؟
- أنا سأحتسي كأساً من المارتيني .. !!؟؟
- حقاً !؟ .. سأحتسي معك المارتيني .. الأبيض ..
- مع أنّ الأحمر يناسب لمعة شفتيك أكثر ..

تبدو لي الأمور وكأنّها بسيطة أكثر من اللازم .. أشعر وكأنّي في حالة من الذهول .. أجلس مع أجمل نساء الأرض .. أحادثها بكلّ ما تكنّ به نفسي .. وأحتسي معها المارتيني .. ومنذ قليل انتشلت منّي هديّتها .. وطبعت قبلتها على خدّي ..
لا .. ليست هذه الحياة .. إنّها جنّة الله الموعودة .. جنّة الله التي لا نخجل فيها من نكاح أجمل حوريّة .. ولا نخشى أنهار الخمرة ..
بل إنّك لن تجد في جنّة الله امرأة تستطيع أن تتطلّع لشفتيها بحرمان ورمق .. وهي تحتسي المارتيني بعقب لسانها ..
فلا حرمان في الجنّة .. ولا حاجة ..
أما هنا .. فإن شهوتي ستكون محصولاً من محاصيل الحرمان .. والذي لا أظنّه سينضب يوماً مع جميلة كهذه ..

- كنت أجلس هنا عادة .. مع صديقي السابق .. لم يكن يحبّ المكان كثيراً ..
- هل يخاف من الظلام .. !!؟؟
- لا .. لا أظنّ أن هذا هو السبب ..
- أظنّه يحبّ أن يراكِ بشكل أكثر وضوحاً ..

هه .. ماذا أستطيع أن أحدّثك أنا عن صديقتي القديمة .. !!؟؟ ..
أين كنّا نجلس .. !!؟؟
وهل كنا نجلس .. !!
سأُضحِكك كثيراً .. لو حدّثتك عن الطريقة التي ناولتها بها هديّة الفلنتاين .. من تحت الطاولة .. وستضحكين أكثر .. لو وصفت لك الطريقة التي صدّت بها يدي وأنا أحاول أن ألبسها الساعة التي أهديتها إيّاها ..
وماذا عن عدد المرّات التي صادفتها فيها بالطريق دون أن تلقي السلام علي .. !!؟؟
وهل تعرفين كيف تكون احتياطات العاشقة .. حينما تريد أن تكلّم حبيبها على الهاتف .. !!؟؟
لا أظنّك تمتلكين هذا القدر من المكر والخداع .. !!
كنت فيما مضى أشعر أن سعادتي تُلتهم ألف مرّة في كلّ لحظة .. لكنّ عشقي لم يكن لينضب مهما التهموه ..
وهل ينتهي الفضاء مهما حاولنا تعليبه بأكياس .. !!؟؟
أما هنا .. فمن المفترض أن أنعم بسعادة لا يملكها أهل الجنّة .. لكن أيّ سعادة هي وأنا لم أشعر بالعشق بعد .. !!؟؟
ينقصني الكثير .. ينقصني الكثير لأتعلّم كيف أعشق .. في جوّ من الأمان .. من الطمأنينة .. من البساطة .. من الصدق .. من الوضوح .. أظنّ أنّي بحاجة لإعادة تأهيل .. قد تحتاج عاماً أو عامين آخرين ..

- لما لم تملك صديقة بعد هذا الزمن الطويل من وجودك هنا .. !!؟؟
- سؤالك أصعب من أن أجيبك عليه .. يصعب عليّ أن أحدد متى يأتي العشق .. وكيف يمكن أن أجرّه نحوي ..
- أها .. أظن أنّي فهمت عليك ..

أظنّ أنّ العشق هو حالة من تعرّي النفس ومكنوناتها أمام إله المحبّة .. ويبدو أنّ نفسي ومكنوناتها أعقد من تعبّر عن ذاتها أمام إله من ثقافة أخرى .. من حضارة أخرى .. ثقافتي .. هي ثقافة ثوريّة .. يساريّة .. لم تعتد الطمأنينة .. ولم تعهد أن تُجابه ببساطة .. ورقّة .. واستسلام ..
فهل أنت .. أيّها الرقيقة .. البسيطة .. تستطيعين استيعاب تاريخي وتكويني .. !!؟؟
كيف ستفهمين تعقيداتي .. وتشابكاتي !!؟؟
كيف أستطيع أن أشرح لك من أنا .. !!؟؟ .. وكيف تكوّنت .. !! .. ولما أعيش .. !!؟؟
أظنّ أنّ اللغة الإنكليزيّة وحتّى الروسيّة ستعجزان عن التعبير عن مكنونات نفسي الثائرة المولودة في بلادٍ عربيّة ..
إن أحببتني .. فأنت تحبّين القشور التي تلتحفني .. لأنّك أرقّ من أن تغوصي في أعماقي الوحليّة .. كيف أعبّر لك عن ذلك .. !!؟؟ ..
أتكرهين البيض .. !!؟؟ .. أهل بلدي يحبّون البيض .. أما أنا فمثلك أكره البيض .. لكن هذا لا يعني أنّ هناك قاسم مشترك بيننا ..
لا .. ربّما هو قاسم مشترك يا عزيزتي .. لكنّه ليس ذو أهميّة كبيرة .. فهو لا يعني أنّنا نتشابه كثيراً ..
أتحبّين الحريّة .. !!؟؟ أهل بلدي يمقتون الحريّة .. وأنا مثلك أتنفّس حريّة .. وهذا يعني بطريقة ما .. أنّي مختلف عن أهل بلدي .. ومختلف عنك ..
بين الزهرة والصبّار قواسم مشتركة .. لا ينبتان إلا بالماء .. ويتنفّسان الهواء .. أنا نبتة صبّار نبتت في صحراء جرداء .. استخلصت الهواء من العواصف الرمليّة .. وضربت جذورها في الأرض طويلاً لتحصل على قطرة ماء .. أما أنت فزهرة في بستان من الزهور المرتّبة .. نمت في هواء طلق .. وشربت من مياه السواقي .. فأيّ تشابهٍ بيننا .. !!؟؟
نحن لا نتقاسم سوى القشور ..
هل تفهمين .. !!

- وداعاً عزيزي ..
- وداعاً عزيزتي ..
- أراك قريباً ..
- لا أدري إن كانت ستنفعك رؤياي ..

أنا .. وابن حزم .. !!

يكبر الإنسان .. ويزداد يقينه .. أن الكون ابتدأ معه .. وأنّ الحياة “عدم” قبل أن يتسلّق نفق الحياة .. فما “طوق” ابن حزم إلا لـ”حمامة” عاشت  قبل التاريخ  .. ولست أدري ما شكل “الحمامات” قبل التاريخ .. بل إنّي أظنّ أن طبيعة قبل التاريخ لا تمت لطبيعة اليوم  بصلة .. ربّما كانت حينها الشمس تشرق من الغرب .. وتغرب من الشمال .. !!

ماذا يعلم “ابن حزم” عنّي أنا .. !! عن حياتي وفكري وجنوني .. !! .. عن الإنسان الذي ابتدأ التاريخ معه !! ..  وماذا يعلم “جرير” .. عن عيني حبيبتي .. وعن حوَر الطرف إن تكحّل بالـ”كرستيان ديور” .. !!ماذا يعلم “محمّد” عن إلهي وكوني ونجومي .. وعن علمي ومعرفتي .. !! وهل الله فعلاً لا يكبر .. حينما تكبر البشريّة .. !! .. ويبقى .. طوال عمره .. مراهقاً .. !! .. وهل للغيوم فعلاً ربّان يقودها حيث ابتغى إلهه وبغى .. !! .. أم أنها الرياح تبغي وتبتغي .. !!

لا يعرف ابن حزم .. ما قد ينتابني حينما تقوم “حبيبتي” بإرسال “مسج” لي .. !!  أويظنّ أنّه يشبه شعوره بتلقَي رسالة مع الحمام الزاجل .. !! وهل اختبر مشاعر “رسالة” على “الإيميل” .. !! .. أو “المسنجر” .. !! “أحبّك” .. شجرة فردوسيّة تعطي موزاً وتفاحاً ودرّاق ومانجا .. وهل يعرف ابن حزم غير “السواك” .. !!

 لما تصرّ حبيبتي .. على أن أعشقها بطريقة ابن حزم .. وأن أمرّ على أطلالها .. بعدما أصلّي الصبح .. جماعة .. !! أنا لست رجلاً يعيش على فتات التاريخ .. ولست رجلاً حتّى .. إذا كانت مقاييس الرجولة تقاس بمقاييس التاريخ .. أنا لا أمتطي فرساً .. وأخاف السيوف والرماح .. ومسكين أنا .. لأني لم أجرّب شعور مؤمن .. يقطع رقبة كافر .. أنا رجل .. لا يقدّس إلهاً في كلّ مراحل حياته .. أحبّه كهلاً .. ولا أحبّه مراهقاً .. ولست أؤمن أنّ الصلاة مَكرُمَة منّي للإله .. ولا أؤمن .. أني سأشبع “غرور” الله .. بصومي وزكاتي .. ولست بتاجر نساء ..  أختار “حبيبتي” على دينها وجمالها ومالها ونسبها ..

 تثيرني التقليديّة .. وما أرى في كتب التاريخ إلا قصصاً مثيرة جنسياً .. أن أملكك .. وأتملّك جسدك .. أدفع ثمنك قبل الشراء .. أن تكوني لوحة فنيّة يكتنفها خجل في وجنتيها .. تنتظر لمساتي .. ومداعباتي .. تفتح لي “ساقيها” حينما أريد .. ولحظة أرغب .. وتغلقها .. حينما ينتابني ملل .. ونفور .. لا أريدك امرأة تقليديّة .. لست تمثالاً .. سأقتنيه .. ولست قصّة “تاريخيّة” مثيرة .. أقرؤها ..أريد أن ترقصي لي .. حينما تريدين .. أريد أن تخلعي ثيابك لي .. وتشعرين “بمتعة” الأنثى .. وهي تتعرّى لرجل .. ولا تستلقي .. ولا تنتظريني .. لأبادر أنا .. بخلع ثيابك عنك .. 

 ليس “الحب” حبّ ابن حزم .. وليس الإيمان إيمان محمّد .. وليس في المعصيه إثم .. ولا نكران ..

بيضاتك .. يا وطن .. !!

_ أحياناً .. يضحك المرء لأشياء مبكية .. وأحياناً يبكي لأشياء مضحكة ..
ولأنني .. عربيّ .. ابن عربيّة ..
فأنا لم أضحك يوماً .. ولم أبك ..
أنا لم أعرف يوماً ..
كيف المرء يختار .. !!

_ بينما كانت أمّي يوماً .. في ( صباحيّة نسوان ) ..
حاولت أن تثبت ذكاءها لجاراتها ..
تلك الغبيّة .. لم تكن تعلم أنّ من لم يدخل مدرسة .. لا يعلم شيئاً ..
تكلّمت ولأوّل مرّة .. عن شيء غير ( الطبخ والطعام ) ..
ثم ضحكت ..
تشردقت أمّي بفنجان قهوتها .. واختنقت .. !!

_ عاد أبي يوماً .. إلى البيت صباحاً ..
يترنّح سكرانا ..
ارتمى أبي على الأرض .. وراح يبكي ..
لو كان لأرضيّة بيتنا تراب للوطن .. لعصره ..
عصر الحجر ..
فسقط من طابق خامس ..!!

- نطق أخي لأوّل مرّة .. حينما بلغ العامين ..
رجوته كثيراً لو يصمت ..
فصرخ ..
سددت فمه بيدي ..
فعضّها ..
لم أغفر له من يومها فعلته تلك ..
لكنّهم أخبروني اليوم أخيراً ..
أنّ أحد الظرفاء .. وضع في فم أخي فتيلاً كهربائياً ..
فعضّه ..

_ أنا لم أمت .. وجدّي لم يمت .. وجد جد جدّي .. لم يمت بعد ..
جميعنا نعرف ..
كيف نبيض عليك .. يا وطن .. !!
وأنت تعرف .. كيف علينا تبيض .. !!
فلنحيَ جميعاً ..
ولتحيَ بيضاتنا ..
يا وطن ..!!.

من الأسفل .. نحو الأعلى .. !!

الإهداء ..
إلى عصىً بسبعين مقبض .. وعامين من ممارسة المهنة .. !!

توطئة ..
النظرة كانت تساوي مئة جلدة ..
أمّا اليوم ..
فالروح صارت تُبعث ..
والنظرة التي كانت ..
صارت بمئة “موته” .. !!

 

القصّة “1″ ..
حدثت فوق صخرة .. والصخرة الآن لم تعد موجودة ..
والشاهد الوحيد .. الذي داعب تلك اليدين الناعمتين لم يعد يذكر الملمس تماماً ..
قالوا .. إنّ البحر اختفى أيضاً ..
لكنّ الرجل الذي يمشي من تحت الصخرة .. مازال يذكر الحادثة تماماً .. !!

 

القصّة “2″ ..
حدثت مرّتين .. لكنني لا أعرف عنها الكثير ..
ففي كلا المرّتين كنت أهمّ بالسفر ..
على كلّ أنا أملك لوحتين ..
في الأولى .. امرأة تخصّل جفونها بالدمع ..
وفي الثانية .. امرأة بلا جفون ولا خصلات .. !!

 

القصّة “3″ ..
تحكي عن طفلٍ مشى في عمرٍ مبكّرة ..
ولمّا داس على قشرة موز ..
سقط في عمرٍ متأخّرة .. !!

 

القصّة “4″ ..
حين كنت أمشي بأقدامٍ أربعة ..
طبعت يدي اليسرى على رمال الشاطئ ..
ورسمت باليمنى شفتين وجفنين وساقين بيضاوتين ..
وحين صرت أمشي بقدمين ..
تعلّمت كيف أرسم .. بيدي اليسرى أيضاً .. !!

 

القصّة “5″ ..
حين نظرت إلى مآقيها .. لآخر مرّة ..
أدركت أنّها ستمطر الليلة ..
صلّيت نحو الشمال .. فأمطرت شمالاً ..
وصلّيت جنوباً .. فأمطرت شمالاً .. !!
فقال سكّان المتوسّط يومها : إنّ الصلاة جهة الشمال حرام .. !!

 

الخاتمة ..
رجمتني فأسلمت ..
صلبتني .. فآمنت بيسوع ..
ولمّا قطعت الخمر عنّي ..
سألتني : لما ألحدت .. !!؟؟

قتلوك .. !!

هالة فيصل

شرور العالم كلّها تنتهي على امتداد هضابك..
وتخاف الشياطين من قداسة جسدك ..
مع كلّ لؤلؤة تطفو .. تتعوّذ الحياة من أرواحها الشريرة ..
ومع كلّ قطعة ثياب تخلعينها .. يتماهى الوجود في أبهى صوره ..
فلا تخربشي على جسدك ..
ولا تفسدي بريق الصفاء ببعض الكلمات ..
إنّ الشياطين .. أميّة ..
لا تفقه لغة الكلام .. !!

العقاد

قتلوك ..
وقتلوا معك القشّة الهزيلة ..
التي تنقذ الله* من الغرق .. !! 
 

أولاد “القحبة” لا تقطفهم الورود البيض ..
ولا تذوب أجسادهم .. مع دموع الشموع ..
يكنسون حضارة الحياة .. بذقونهم النتنه ..
وتكنسهم الحياة .. وتكنسنا معهم ..
لمزبلة التاريخ .. !!

أولاد “القحبة” .. يخشعون بذكر قرابين الدماء ..
ولا يميّزون بين حوريّات الجنّة .. وبين عاهرات خرافاتهم ..
كلّه .. بمقاييسهم .. سواء
ضحكة طفل في الرابعة .. ولحم الخنزير ..
عروس تعدّها اللحظات لترتوي من مياه الحنّة .. وشياطين تبول على قدسيّة الحياة ..
.

أيبغون الدماء .. !!؟؟
فليستقوا الدماء من حيض أمّهاتهم ..
ويكفي تحطيماً لتماثيل بوذا ..
ويكفي اغتيالاً للزهور العطرة ..

  • هوامش ..

  • الصورة الأولى .. الفنّانة التشكيليّة السوريّة (هالة فيصل) تدير مؤخّرتها للحروب والكوارث .. كما نشرتها وسائل الإعلام ..

  • الصورة الثانية .. شهيد الفن مصطفى العقّاد .. الذي قتل في تفجيرات الأردن .. الإرهابيّة ..